الشيخ محمد رشيد رضا

30

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

السنة هي المبينة لذلك بالتفصيل بسيرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في بيوته ومع أصحابه في السلم والحرب والسفر والإقامة ، وفي حال الضعف والقوة والقلة والكثرة ، فالسنة العملية المتواترة هي المبينة للقرآن بتفصيل مجمله وبيان مبهمه ، وإظهار ما في أحكامه من الاسرار والمنافع ، ولهذا أطلق عليها لفظ الحكمة فإنها كانت كالحكمة ( بالتحريك ) لتأديب الفرس ، ولولا هذه التربية بالعمل لما كان الارشاد القولي كافيا في انتقال الأمة العربية من طور الشتات والفرقة والعداء والجهل والأمية إلى الائتلاف والاتحاد والتآخي والعلم وسياسة الأمم . فالسنة هي التي علمتهم كيف يهتدون بالقرآن ، ومرنتهم على العدل والاعتدال في جميع الأحوال كلنا يعرف الحلال والحرام والفضيلة والرذيلة ، وقلما ترى أحدا عاملا بعلمه ، وإنما السبب في ذلك أن الأكثرين يعرفون الحكم دون حكمته ، ودون الأسوة الحسنة في العمل به ، فهم لا يفقهون لم كان هذا حراما ، ولا تنفذ أفهامهم في أعماق الحكم فتصل إلى فقهه وسره ، فتعلم علما تفصيليا ما وراء المحرم من الضرر لمرتكبه وللناس ، وما وراء الواجبات والمندوبات من المنافع العامة والخاصة . ولو علموا ذلك وفقهوه بالتربية عليه وملاحظة آثاره والاقتداء بالمعلمين والمربين في العمل به - كما أخذ الصحابة عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم - لخرجوا من ظلمة الاجمال والابهام في المعرفة إلى نور التجلي والتفصيل ، حتى تكون الجزئيات مشرقة واضحة ، ولكان هذا العلم معينا لهم على إحلال الحلال بالعمل ، وتحريم الحرام بالترك ، فقد وقف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه « رض » على فقه الدين ونفذ بهم إلى سره ، فكانوا حكماء علماء ، عدولا نجباء ، حتى إن كان أحدهم ليحكم المملكة العظيمة فيقيم فيها العدل ويحسن السياسة وهو لم يحفظ من القرآن الا بعضه ، ولكنه فقهه حق فقهه وهذا المعنى - فقه الدين ومعرفة أسرار الاحكام - غير التزكية ، بيد أنه يتصل بها ويعين عليها ، حتى يطابق العلم العمل ، فهذه الآية نبأ عن استجابة دعوة إبراهيم عليه السّلام ( رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ ) الآية وقد تقدم هناك ذكر تعليم الكتاب والحكمة على التزكية ، وقدم هنا ذكر التزكية على تعليم الكتاب والحكمة . والنكتة في ذلك أن إبراهيم عليه السّلام لاحظ في دعوته الطريق الطبيعي وهي ان التعليم يكون أولا ثم تكون التزكية ثمرة له